وطنية

توترات أمريكية-إسبانية تُعيد فتح ملف سبتة ومليلية: بين مخاوف مدريد وصمت المغرب المقصود

اقتصاد الشرق

على وقع توترات غير مسبوقة بين مدريد وواشنطن حول استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في إطار الحرب على إيران، بدأ جزء من النقاش العام في إسبانيا يُعيد إحياء سيناريو استرداد المغرب لسبتة ومليلية بدعم أمريكي. غير أن هذا الطرح، رغم تضخيمه إعلامياً وسياسياً، يبقى في مرحلته الراهنة أقرب إلى التهويل منه إلى أي واقع دبلوماسي ملموس.

تعود جذور الأزمة الأمريكية الإسبانية إلى رفض مدريد السماح لواشنطن باستخدام قاعدتَي روتا وموريون لدعم العمليات العسكرية ضد إيران. وفي الثاني من مارس 2026، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس صراحةً أن إسبانيا لن تأذن بأي استخدام للقواعد خارج إطار ميثاق الأمم المتحدة. جاء رد الفعل الأمريكي سريعاً، إذ هدد الرئيس دونالد ترامب بوقف كل تجارة مع إسبانيا، فيما كشفت وكالة رويترز في 24 أبريل 2026 عن مراسلة داخلية للبنتاغون تُلمّح إلى احتمال تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي.

حين دخلت سبتة ومليلية على الخط

في 16 مارس 2026، نشر مايكل روبين، المحلل في مركز الفكر المحافظ المعهد الأمريكي للمشاريع، مقالاً دعا فيه المغرب إلى استرداد البلدتين عبر ما وصفه بـ”مسيرة خضراء جديدة”، مستنداً إلى أن سبتة ومليلية لا تخضعان لأحكام المادة الخامسة من معاهدة الناتو، كونهما خارج القارة الأوروبية. سرعان ما التقط السياسيون الإسبانيون في اليمين واليمين المتطرف هذه الفرصة، فتقدّم كل من حزب فوكس والحزب الشعبي بمقترح غير ملزم في مجلس الشيوخ “للدفاع عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية”. كما أسهمت وسائل إعلام إسبانية معروفة بمواقفها المعادية للمغرب في تضخيم هذا المشهد، ومنها موقع “إل إسبانيول” الذي سبق أن أشار إلى هذا السيناريو منذ 23 فبراير 2026.

في المقابل، حرصت مدريد الرسمية على دحض هذه الفرضية، إذ وصفها ألباريس في السابع من أبريل 2026 بأنها “أمر سخيف تماماً”. أما الجانب المغربي فقد اختار الصمت الكامل، دون أي تعليق رسمي أو غير رسمي.

لماذا يصمت المغرب؟

تشهد العلاقات المغربية الأمريكية مستوى من التقارب لم يعرف مثيله من قبل، تُجسّده خير تجسيد خارطة الطريق للتعاون العسكري الجديدة الموقّعة في واشنطن في 14 أبريل 2026 والممتدة حتى 2036، وهو ما يعكس الدور الجديد الذي يُرسّخه المغرب تدريجياً في المنطقة. بيد أن استدراج واشنطن في ملف سبتة ومليلية يتعارض مع منطق الواقع، لسبب جوهري: تمر العلاقات المغربية الإسبانية حالياً بمرحلة من التفاهم، يرسو على الموقف الإسباني من الصحراء المغربية المُعلَن منذ مارس 2022، فضلاً عن التنظيم المشترك لكأس العالم 2030.

ولا يعني ذلك تخلي المغرب عن حقوقه التاريخية في المدينتين، إذ سبق أن أكدت السفيرة المغربية في مدريد عام 2020 أن موقف الدولة المغربية يظل ثابتاً في هذا الشأن. وتجدر الإشارة إلى أن حاملي جوازات السفر الدبلوماسية المغربية، رغم إعفائهم من تأشيرة الدخول إلى إسبانيا، لا يحق لهم استخدام هذه الجوازات للدخول إلى سبتة ومليلية، في موقف يعكس رفضاً ضمنياً للسيادة الإسبانية عليهما.

ويبقى في الخلفية اتفاق غير مُعلَن يعود إلى نوفمبر 1975، مفاده أن المغرب لن يطالب برحيل إسبانيا عن المدينتين ما لم تسترد هي بدورها جبل طارق من بريطانيا. وهو ما أفصح عنه الملك الراحل الحسن الثاني بنفسه، حين قال في أبريل 1980 إن “إسبانيا تعمل لصالح المغرب حين تطالب بجبل طارق، لأنها لو استردّته، استردّ المغرب سبتة ومليلية”.

وفي خضم كل هذا الجدل، تواصل الرباط تعزيز نفوذها الاقتصادي في محيط المدينتين، من المنطقة الاقتصادية بالفنيدق المحاذية لسبتة، إلى ميناء بني نصار القريب من مليلية، في تحول هادئ لكن بالغ الدلالة على أرض الواقع.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button