كفاءات

نورالدين البركاني يكتب: فاتح ماي والتوازن بين حقوق العمال وجاذبية الاستثمار

اقتصاد الشرق

يستحضر البرلماني السابق نورالدين البركاني، بمناسبة عيد الشغيلة فاتح ماي، إشكاليةً محوريةً تتعلق بالتوازن بين حقوق العمال وجاذبية الاستثمار في جهة الشرق. ويؤكد أن الدستور المغربي يكفل للعمال حق التظاهر والاحتجاج والتعبير عن مطالبهم في إطار القانون، وهو حق مشروع يُعدّ من ركائز دولة الحق والقانون ومن مظاهر الديمقراطية.

غير أن ممارسة هذا الحق تقتضي قدراً من الوعي والمسؤولية، لا سيما في ظل التحولات التي يشهدها المغرب بوصفه بلداً صاعداً يسعى إلى تعزيز مكانته وجهةً مفضلة للاستثمار. فقد باتت المملكة، بفضل موقعها الاستراتيجي واستقرارها السياسي والإصلاحات التي باشرتها، محط اهتمام كبريات الشركات العالمية الباحثة عن بيئة آمنة ومستقرة.

الناظور غرب المتوسط نموذجاً

يمثل إقليما الناظور والدريوش نموذجاً دالاً على هذه الدينامية، إذ يشهدان تحولات واعدة بفضل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، المشروع الاستراتيجي ذي الأبعاد اللوجستيكية والصناعية والطاقية، الممتد على مساحة صناعية تفوق 5000 هكتار. ويُرشَّح هذا المشروع لأن يشكّل منصة اقتصادية متكاملة قادرة على استقطاب استثمارات دولية وخلق آلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.

وقد بدأت ملامح هذه الدينامية تتجلى من خلال اهتمام شركات دولية بالاستقرار في المنطقة، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة وصناعة مكونات السيارات والصناعات التحويلية. وهو ما يُعزز الأمل في إحداث نقلة في التشغيل والتنمية بالجهة الشرقية، التي تعاني تاريخياً من نسب بطالة مرتفعة.

حقوق العمال في مواجهة مناخ الأعمال

بيد أن فاتح ماي هذا شهد احتجاجات عمالية في إحدى الشركات الصناعية، وهو أمر مفهوم في سياق المطالبة بالحقوق وتحسين ظروف العمل. إلا أن هذا الوضع يطرح إشكالية كيفية تدبير المطالب العمالية بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الشغيلة والحفاظ على صورة المغرب وجهةً مستقرة للاستثمار.

وتبرز هنا حقيقة اقتصادية معروفة مفادها أن رأس المال يميل إلى البحث عن بيئات يسودها الاستقرار والوضوح القانوني، وأن أي رسائل سلبية، حتى وإن كانت غير مقصودة، قد تدفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في قراراتهم أو توجيه استثماراتهم نحو وجهات أخرى.

مسارات قانونية بديلاً عن التصعيد

ينبغي أن يمر الاحتجاج، وإن كان حقاً مشروعاً، عبر مسارات قانونية ومؤسساتية واضحة ومتدرجة. فعند وجود مطالب مشروعة، يُستحسن اللجوء إلى مندوبيات الشغل والمصالح المختصة، وتقديم مذكرات مطلبية موقعة من طرف العمال ومدعومة بحجج قانونية، مع الاستعانة بخبراء في المجال.

وفي مرحلة ثانية، يمكن تفعيل آليات الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة، أو اللجوء إلى الوساطة والتفتيش، وهي آليات أثبتت فاعليتها في حل النزاعات دون اللجوء إلى التصعيد. أما الانتقال المباشر إلى الشارع قبل استنفاد هذه المسارات، فقد يُعطي انطباعاً بعدم الاستقرار ويؤثر سلباً على مناخ الأعمال. كما ينبغي التنبه إلى أن بعض الجهات قد تستغل مثل هذه الأوضاع لبث التوتر أو توجيهها لخدمة أجندات بعيدة عن مصلحة العمال أنفسهم.

الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في الاختيار بين حقوق العمال أو جذب الاستثمار، بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الاثنين. فالتنمية لا تقوم إلا على عدالة اجتماعية تحفظ كرامة العامل واستقرار اقتصادي يوفر فرص الشغل. ويتطلب ذلك تعزيز قنوات الحوار داخل المقاولات، وتقوية دور مندوبي الشغل والمفتشيات في الوساطة، وتأطير العمال قانونياً وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم، وتشجيع النقابات على لعب دور الوسيط المسؤول، مع اعتماد التدرج في معالجة النزاعات من المراسلة فالحوار فالوساطة، ولا يُلجأ إلى الاحتجاج إلا كحل أخير.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button