الناظور

ميناء الناظور غرب المتوسط يُحرّك اقتصاد الجهة قبل افتتاحه

اقتصاد الشرق

لم ينتظر ميناء الناظور غرب المتوسط دخوله الخدمة الرسمية ليبدأ في التأثير على المشهد الاقتصادي بجهة الشرق. فبينما تتواصل الأشغال على وقع مواعيد نهاية 2026، تكشف المعطيات الحديثة الصادرة عن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية أن الجهة سجّلت إحداث 872 مقاولة جديدة إلى غاية نهاية فبراير 2026، في مؤشر يرى فيه متتبعون بداية تشكّل دورة اقتصادية جديدة تقودها الاستثمارات المرتبطة بهذا المشروع المينائي.

برز إقليم الناظور باعتباره المحرك الأول لهذه الديناميكية، إذ استحوذ وحده على 397 مقاولة جديدة، أي ما يناهز 45 بالمائة من مجموع المقاولات المحدثة على صعيد الجهة، متقدماً بفارق واسع عن وجدة التي سجّلت 247 مقاولة. فيما توزّعت الإحداثات الباقية على أقاليم أخرى كبركان وجرسيف، في إشارة إلى أن أثر المشروع بدأ يمتد تدريجياً خارج النطاق الحضري المباشر.

بنية قطاعية تعكس منطق الورش

تكشف التركيبة القطاعية لهذه المقاولات عن نمط استثماري مرتبط بطبيعة المرحلة الراهنة. فقطاع التجارة استحوذ على 42,80 بالمائة من مجموع الإحداثات، وهو ما يعكس الطلب المتزايد على أنشطة التموين والتوزيع والخدمات التجارية المواكبة للأوراش الكبرى. وجاء قطاع البناء والأنشطة العقارية في المرتبة الثانية بنسبة 18,81 بالمائة، فيما حلّ قطاع الخدمات المختلفة ثالثاً بنسبة 14,11 بالمائة، مما يعكس بداية تشكّل منظومة مواكبة قائمة على النقل والتخزين والخدمات اللوجستية.

في المقابل، تبقى حصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال محدودة، إذ لم تتجاوز 2,35 بالمائة. غير أن الخبير في الاقتصاد الرقمي واللوجستيك عمر الكتاني يرى في ذلك انعكاساً لطبيعة المرحلة الانتقالية لا ضعفاً في الإمكانات، موضحاً أن المشاريع المينائية الكبرى تمر عادةً أولاً عبر تهيئة البنيات التحتية الثقيلة، قبل أن تبدأ المنظومة الرقمية والتكنولوجية في التشكّل بشكل متسارع. ويُلفت الكتاني إلى أن الموانئ الحديثة أضحت منصات تكنولوجية متكاملة تعتمد على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وأنظمة التتبع الآني، مستشهداً بتجارب موانئ أوروبا وآسيا والخليج التي أنتجت حولها منظومات كاملة من المقاولات الرقمية والشركات الناشئة.

استثمار عمومي يُغذّي التحول

على صعيد التمويل العمومي، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن حجم الاستثمارات العمومية التي جرى ضخها بمنطقة الناظور خلال سنة 2024 وحدها بلغ 1,8 مليار درهم، ما خلق أثراً اقتصادياً متشعباً يمتد من قطاع البناء والعقار إلى النقل والخدمات والتجارة، بالتوازي مع تنامي الطلب على التجهيزات والأراضي الصناعية.

أما على مستوى الهيكل القانوني للمقاولات، فقد كشفت الأرقام ذاتها أن شركة ذات المسؤولية المحدودة بشريك وحيد مثّلت 63,7 بالمائة من مجموع الإحداثات، وهو ما يعكس تنامي ثقافة الاستثمار الفردي والمقاولة الصغيرة والمتوسطة في المنطقة.

ويندرج المشروع المينائي في توجه يرمي إلى إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي خارج المحور التقليدي بين الدار البيضاء وطنجة، عبر بناء قطب لوجستي وصناعي بشرق البلاد. وتبلغ استثماراته في شقه المينائي ما يناهز 10 مليارات درهم، مع طاقة استيعابية مرتقبة تصل إلى حوالي 3,5 ملايين حاوية سنوياً، إلى جانب منطقة صناعية ولوجستية مندمجة.

وقد رصد البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية هذا الزخم، معلناً عن تخصيص منحة بقيمة 2,1 مليون أورو لدعم تطوير المشروع، في مؤشر على الاهتمام الدولي الذي يحظى به. وتجدر الإشارة إلى أن جهة الشرق لا تمثّل حالياً سوى نحو 5 بالمائة من مجموع المقاولات المحدثة على الصعيد الوطني البالغ 16.985 مقاولة خلال الشهرين الأولين من 2026، غير أن المتابعين يرون أن أهمية الجهة تُقاس بقدرتها المستقبلية على التحول إلى قطب اقتصادي استراتيجي لا بحجمها الراهن.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button