الناظور

غياب قانون الغاز الطبيعي يُبقي مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط الغازي في مرحلة الانتظار

اقتصاد الشرق

يواجه المغرب في مساره نحو بناء بنية تحتية غازية عائقاً مستمراً يتمثل في غياب إطار قانوني واضح ينظم قطاع الغاز الطبيعي. ويأتي هذا الوضع في وقت بدأت فيه ملامح هذه البنية التحتية تتشكل تدريجياً، من ميناء الناظور غرب المتوسط إلى الوحدة العائمة لإعادة التغييز التي يشملها طلب إبداء الاهتمام الأخير، لكن غياب قانون الغاز يجعل الاستثمارات في هذا القطاع أمام معادلة غير محسومة، بعدما ظل هذا الملف يُحال من حكومة إلى أخرى منذ عهد حكومة عباس الفاسي.

وكانت المرحلة الأولى من خارطة الطريق الغازية للفترة 2025-2030 تطمح إلى جعل ميناء الناظور غرب المتوسط قطباً رئيسياً لاستيراد الغاز الطبيعي المسال. غير أن الشروع في مشروع من هذا الحجم دون الاستناد مسبقاً إلى إطار قانوني واضح ينظم الغاز الطبيعي يبقى أمراً محفوفاً بالمخاطر. فقد نص طلب إبداء الاهتمام على استئجار وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغييز ترسو بميناء الناظور غرب المتوسط، دون أن تكون قواعد اللعبة القانونية محددة سلفاً.

ويحد غياب هذا الإطار من قدرة الدولة على حماية مصالحها وهوامش تصرفها، خصوصاً بعد التجربة التي راكمتها مع ملف السامير. كما أن هذا الفراغ القانوني يثني المستثمرين المحتملين عن الانخراط في سوق لا يزال إطارها القانوني غامضاً.

مسار طويل من المحاولات غير المكتملة

خلال ولايته، دافع عبد القادر عمارة، الرئيس الحالي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عن مدونة غازية كانت مقررة أصلاً سنة 2015، باعتبارها رافعة لتطوير مقاربتي الغاز من أجل الكهرباء والغاز من أجل الصناعة، دون أن يتمكن من إخراجها إلى حيز التنفيذ. وفي تصريح له على هامش تقديم رأي المجلس حول آلية تعديل الكربون على الحدود، في نونبر 2025، اعتبر عبد القادر عمارة أن المغرب تأخر في اللجوء إلى الغاز الطبيعي، وأن اعتماده منذ عشرين سنة كان سيسمح بتقدم أسرع في مجال الطاقات المتجددة.

وفي دجنبر 2017، أعاد أزيز الرباح، خلفه في الحقيبة الوزارية، طرح الملف من خلال إحالة مشروع القانون رقم 94.17 المتعلق بالقطاع المتعلق بالغاز الطبيعي على المسطرة التشريعية. غير أن هذا النص، على غرار سابقيه، لم يبلغ محطته النهائية.

واستند هذا المشروع إلى ثلاث ركائز أساسية. فقد وسّع صلاحيات الهيئة الوطنية لتقنين الكهرباء لتشمل تقنين قطاع الغاز الطبيعي، بما في ذلك تحديد أثمنة البيع. كما أحدث احتكاراً لنشاط النقل لفائدة مدبر لشبكة النقل، في شكل شركة مساهمة عمومية تتولى تصور وإنجاز واستغلال وتدبير وصيانة وتطوير منشآت نقل وتخزين الغاز الطبيعي ومحطات الغاز الطبيعي المسال ووحدات إعادة التغييز على الصعيد الوطني. أما فيما يخص التوزيع، فقد كان مشروطاً بالحصول على ترخيص صالح لمدة خمس عشرة سنة، قابل للتجديد مرة واحدة، في نطاق ترابي جهوي محدد.

وأبدى مجلس المنافسة، عند استشارته حول هذا المشروع، رأياً غير موافق، خصوصاً بسبب الاحتكار الممنوح لمدبر شبكة النقل، معتبراً أن ذلك قد يهدد تنويع وسائل النقل وحرية المبادرة، وقد يؤدي إلى إغلاق السوق على حساب المستهلكين الوسيطين. في المقابل، رأى المكتب الوطني للمحروقات والمعادن، في إطار المشاورة نفسها، أن التطور التدريجي للبنيات التحتية وحجم الاحتياجات من الرساميل يبرران إحداث احتكار للدولة في هذا المجال.

مضامين مشروع القانون 67-24

أعادت الوزيرة ليلى بنعلي بدورها إطلاق الورش الغازي المغربي من خلال خارطة طريق وطنية للغاز الطبيعي تغطي الفترة 2025-2030. غير أنها لم تتمكن هي الأخرى، على غرار سابقيها، من إخراج قانون الغاز إلى الوجود.

وأعاد مشروع القانون 67-24 رسم بنية القطاع، إذ أُسند التزود بالجملة والتخزين الاستراتيجي إلى جهة تُعرف بـ”المجمِّع”، تتولى إبرام عقود الشراء في السوق الدولية للغاز الطبيعي المسال ولدى المنتجين المحليين، قبل إعادة بيع الغاز بالجملة. أما تدبير شبكة النقل، فيبقى من اختصاص مدبر شبكة النقل، بصفته شخصاً اعتبارياً من القانون العام. ويتضمن المشروع مستجداً يتعلق بإلزام هذا المدبر، أياً كانت بنيته المساهماتية، بفتح ما لا يقل عن 25 في المائة من رأسماله للادخار العمومي في أجل ست سنوات من تأسيسه، مع الاحتفاظ بإمكانية التحالف مع شركاء عموميين أو خواص.

وفي انتظار إحداث هيئة تقنين خاصة بالغاز الطبيعي، يتضمن النص مرحلة انتقالية يعود خلالها تقنين السوق وتحديد الأثمنة مباشرة إلى وزارة الطاقة، التي ستتولى تحديد كيفيات ضبط أثمنة الجملة والتقسيط وتعريفات الولوج إلى الشبكات.

ويصحح هذا المشروع من جهة أخرى ثغرة كانت قد أثارها مجلس المنافسة في المشروع السابق رقم 94.17، من خلال الفصل بين النشاط المادي المتعلق بـ”التوزيع” والنشاط التجاري المتعلق بـ”التزويد”، بحيث يتنافس المزودون فيما بينهم لبيع الغاز للزبناء النهائيين، مع ضمان حق الولوج إلى الشبكات.

ويُلزم المشروع مدبر شبكة النقل، بصفته الضامن للرؤية طويلة المدى للبنيات التحتية، بوضع مخطط عشري لتطوير المنشآت الغازية، يُحيَّن سنوياً وينسجم مع السياسة الطاقية الوطنية، على أن يفصّل هذا المخطط الاستثمارات المزمع إنجازها وجدولتها الزمنية. كما يفرض عليه إعداد “مدونة الشبكة”، بتشاور مع الموزعين والإدارة، في احترام لمبادئ الشفافية التعريفية والمساواة في المعاملة وعدم التمييز، دون أن يكون بإمكانه فرض شروطه بشكل أحادي، إذ يتعين عليه إبرام عقود نموذجية تخضع للمصادقة المسبقة من الإدارة.

ويبقى مدبر شبكة النقل خاضعاً لمراقبة صارمة، تحت طائلة عقوبات مشددة. فرفض إخضاع منشأة للمراقبة المنصوص عليها في القانون يُعرّض صاحبه لغرامة قدرها مليون درهم، فيما يُعرّض رفض الولوج إلى المنشآت لغرامة قدرها مليونا درهم، تُضاعَف هذه المبالغ في حالة العود، وتُقترن بتعليق الترخيص.

تساؤلات حول حجم الطموح الغازي

تطرح المحاولات المتكررة لإخراج قانون الغاز إلى الوجود، دون أن تبلغ محطتها النهائية، تساؤلات حول أسباب هذا التعثر المتواصل. وبخلاف الحكومات السابقة التي كانت تعمل في سياق لم يكن يفرض استعجالاً حقيقياً لتطوير بنية تحتية أو تأمين تدفق الغاز الطبيعي، أبدت الحكومة الحالية إرادة سياسية منذ البداية، خصوصاً على خلفية توقف تدفق الغاز عبر خط أنابيب المغرب-أوروبا.

غير أن الاستثمار في قطاع الغاز يحمل مخاطر فعلية، إذ يُعد الغاز مورداً تتزايد تقلبات أسعاره، كما بينته التوترات الأخيرة المرتبطة بمضيق هرمز، والتي لن تكون على الأرجح الأخيرة من نوعها. وتبقى مسألة جاذبية السوق المغربية مطروحة أيضاً، في ظل ضعف الطلب الداخلي مقارنة بدول أخرى.

وقبل كل شيء، يبقى إخراج قانون الغاز من الأدراج أمراً ضرورياً. فبدون إطار تنظيمي واضح وجاذب، سيظل القطاع في وضعية جمود، وسيستمر تردد المستثمرين المحتملين في ظل الغموض القانوني القائم. وفي المقابل، لا ينبغي لهذا الإطار أن يشكل عائقاً إضافياً، بل رافعة لجذب الرساميل وتأمين التزود، بما يحول المخاطر المرتبطة بالغاز إلى فرصة استراتيجية لمقاربتي الغاز من أجل الكهرباء والغاز من أجل الصناعة، وهو ما يظل ذا صلة مباشرة بمستقبل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كقطب غازي مرتقب.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button