محكمة الاستئناف بفاس تحسم ملف “العمران الشرق” بأحكام نافذة تطال المدير العام ومقاولين

اقتصاد الشرق
أسدلت غرفة جرائم الأموال الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بفاس الستار على واحد من أثقل ملفات الفساد المالي بجهة الشرق. الجلسة التي ترأسها المستشار محمد بن معاشو انتهت بتأييد معظم الأحكام الابتدائية الصادرة في حق 12 متهماً متابعاً في ملف اختلاس وتبديد أموال شركة “العمران الشرق”. القضية التي هزّت الرأي العام تتعلق باختفاء مبالغ مالية ضخمة ناهزت 61 مليار سنتيم، أي ما يعادل نحو 61 مليون دولار.
المدير السابق يدفع الثمن كاملاً
قرار الهيئة القضائية كان واضحاً وحاسماً بشأن المتهم الرئيسي. زكرياء لزرق، المدير العام السابق لشركة العمران بجهة الشرق، يقضي 8 سنوات نافذة مع غرامة مالية قدرها 100 ألف درهم.
التهم التي ثبتت في حقه ثقيلة بكل المقاييس، فالحكم استند إلى جناية اختلاس وتبديد أموال عامة. ضمن ذات الملف، أُدين باستغلال النفوذ وإقصاء منافسين عبر أساليب احتيالية، إلى جانب أخذ فائدة من مؤسسة يتولى إدارتها. هذه التهم مجتمعة تختصر آليات الفساد الإداري والمالي التي عرفها هذا الفرع الجهوي للمؤسسة الحكومية.
أحكام تطال الأطر التقنية والمقاولين
العدالة لم تتوقف عند رأس الهرم الإداري للشركة، بل امتدت لتشمل أطراً تقنية ومقاولين متورطين في الملف. عبد الخالق امنيح يقضي 3 سنوات حبساً نافذاً مع غرامة 50 ألف درهم بتهمة تبديد أموال عامة.
عبد العزيز امسلك تلقى حكماً بسنة واحدة حبساً نافذاً وغرامة قدرها 30 ألف درهم. التهم الموجهة إليه تشمل المشاركة في تبديد أموال عامة، واستغلال النفوذ، والمشاركة في إقصاء منافسين. هذه الأحكام تعكس عمق الشبكة التي اشتغلت لسنوات داخل الفرع الجهوي للشركة.
المقاولون في قبضة العدالة
دائرة الإدانات اتسعت لتشمل أصحاب شركات ومقاولين تعاملوا مع “العمران الشرق”. المحكمة أيدت الحكم بحبس أنس لوديي ومحمد لعجاب لمدة سنة واحدة نافذة لكل منهما، مع غرامة مالية قدرها 20 ألف درهم.
ملاحظة قانونية لافتة رافقت هذا الحكم، إذ عمدت المحكمة إلى إعادة تكييف الأفعال المنسوبة إلى المتهمَين. التهمة تحوّلت من “المشاركة في تبديد أموال عامة” إلى تهمة “التبديد” بشكل مباشر. هذا التعديل يحمل دلالة قانونية مهمة على مستوى تحديد المسؤولية الجنائية.
استثناء وحيد قلب موازين البراءة
سجّلت محكمة الاستئناف تعديلاً واحداً جوهرياً مقارنة بأحكام المرحلة الابتدائية. براءة متهمَين اثنين أُلغيت، وتحوّلت إلى إدانة صريحة بالحبس النافذ.
المتهم الأول صدر في حقه حكم بسنة نافذة، فيما نال المتهم الثاني عقوبة بستة أشهر نافذة. هذا الاستثناء يُظهر أن مرحلة الاستئناف لم تكن مجرد مصادقة شكلية على أحكام الدرجة الأولى، بل خضعت لمراجعة دقيقة لكل ملف على حدة، انتهت بتشديد العقوبة بدل تخفيفها.
بداية الملف من شكاية الشركة الأم
تفاصيل هذه القضية تعود إلى شكاية رسمية تقدمت بها الشركة الأم “العمران”، باعتبارها المؤسسة الحكومية المكلفة بالسكن والتهيئة الحضرية. الشكاية لم تأتِ من فراغ، بل أعقبت رصد لجان التفتيش والتدقيق الداخلي لاختلالات مالية وتدبيرية وصفت بـ”الخطيرة”.
الاختلالات المرصودة تمثلت في تبخر مبالغ مالية فلكية من الحسابات البنكية لفرع الشركة بجهة الشرق. الأرقام التي خرجت إلى العلن صدمت الرأي العام وفتحت أعين الجهات الرقابية على ممارسات استمرت لسنوات قبل اكتشافها.
أضرار تجاوزت الجانب المالي
الخسائر التي تسبب فيها هذا الملف تجاوزت الجانب المالي الصرف. مالية المؤسسة تعرّضت لأضرار بالغة، وهو ما انعكس مباشرة على وتيرة تنفيذ مشاريعها التنموية بالجهة.
عدد من المشاريع المهيكلة لقطاعَي السكن والتهيئة الحضرية بجهة الشرق تأخّر أو تعطّل بسبب هذه الاختلالات. المواطنون والمستفيدون من برامج العمران دفعوا الثمن غير المباشر لشبكة الفساد، قبل أن يتدخل القضاء لإعادة الأمور إلى نصابها.
رسالة قوية في معركة حماية المال العام
تابع الشارع المغربي مسار هذا الملف باهتمام بالغ منذ انطلاقه. القضية تحوّلت إلى عنوان بارز للمحاسبة وحماية المال العام، خاصة في سياق رفع منسوب الشفافية بالمؤسسات الحكومية.
الحكم النهائي الصادر عن استئنافية فاس يُرسّخ مبدأ أن المسؤولية الإدارية مهما علت لا تمنح حصانة من المتابعة القضائية. الرسالة موجّهة بوضوح إلى كل من يدير المال العام بجهة الشرق وغيرها، فزمن الإفلات من العقاب انتهى، والمحاسبة باتت قاعدة لا استثناء.
ملف يُغلق وأسئلة تبقى مفتوحة
بإعلان أحكام الاستئناف، يُغلق الفصل القضائي من ملف “العمران الشرق”. لكن الأسئلة الجوهرية تبقى مطروحة على المستوى المؤسساتي، فكيف تمكّنت شبكة الفساد من التحكم في فرع جهوي لمؤسسة حكومية كبرى لسنوات؟ وما هي الآليات الرقابية الجديدة التي ستُعتمد لتفادي تكرار السيناريو؟
جهة الشرق، التي عانت كثيراً من تأخر مشاريعها التنموية، تنتظر من المؤسسة الأم خطوات ملموسة لاستعادة الثقة والإسراع بتنفيذ ما تعطّل من برامج. المحاسبة القضائية انتهت، والمحاسبة التنموية تنطلق الآن.



