جهة الشرق تفتح مركزاً لتثمين التراث الأركيولوجي والطبيعي لإحياء ذاكرة إنسان تافوغالت وزكزل

اقتصاد الشرق
بدأ مركز تفسير التراث الثقافي والأركيولوجي والطبيعي بجهة الشرق في استقبال زواره، ليشكل واجهة بين الجمهور والماضي الأركيولوجي للجهة. يهدف هذا الفضاء إلى حفظ وتثمين التراث مع استهداف جمهور متنوع من باحثين وطلبة وسياح ومهتمين. تتمثل وظيفته الأساسية في الإعلام والتثقيف بحضارات الماضي، مما يساهم في نقل المعارف وتعزيز الشعور بالانتماء وتحفيز البحث العلمي.
يخضع المركز للمسؤولية العلمية للباحث حسان أويراغ، فيما تتولى إدارته إطاران من ولاية الشرق هما سمية سكوري وصوفيا خيار، المختصتان في الوساطة الثقافية والتراث الأركيولوجي. يعد وجود هذا الفريق حاسماً لتمكين المؤسسة من الاضطلاع بدورها في نشر الثقافة وتثمين التراث، وهو شرط أساسي لتعزيز جاذبية المنطقة عبر آليات القوة الناعمة الثقافية.
تشهد القطع المعروضة، المستخرجة في معظمها من الحفريات والأبحاث الميدانية، على الغنى والتنوع الأركيولوجي لجهة الشرق. تهدف الوساطة الثقافية في قلب هذا النظام إلى إرساء تربية حقيقية على التراث، وتندرج ضمن الأنشطة العلمية والتنشيط الثقافي للمدينة من خلال أيام الأبواب المفتوحة والورشات والمعارض والزيارات المرشدة.
دور الوساطة في إحياء التراث
يستقبل المركز مجموعات مدرسية وسياحية، ويقدم قراءة سياقية للتاريخ الأركيولوجي الجهوي والقطع المعروضة. توضح سمية سكوري: “نحرص على أن يفهم كل زائر تاريخ القطع المعروضة وسياقها الأركيولوجي وأهميتها في الذاكرة الجماعية والحفاظ على الهوية الثقافية”.
تدقق صوفيا خيار هذا الدور قائلة: “يعمل الوسيط المتحفي كمترجم ومرشد، يكيف خطابه حسب عمر الجمهور ومستوى معارفه واهتماماته. يتعلق الأمر بخلق صلة بين الزوار والتراث، عبر ترجمة المعارف العلمية إلى رسائل متاحة. بدون الوساطة الثقافية، يبقى التراث الأركيولوجي صامتاً”.
بالتوازي مع المهام الإدارية، تواصل الإطارات تكويناً مستمراً في مجال العلوم الأركيولوجية. توضح سمية سكوري أن دورات تكوينية توضع لتعزيز جودة أنشطة التنشيط، مع تدعيم الكفاءات العلمية والبيداغوجية للفرق في مجالات التراث الأركيولوجي والوساطة الثقافية واستقبال الجمهور.

في أصول الإنسانية
يسلط المسار المتحفي الضوء على البقايا المرتبطة بممارسات العيش لدى أولى الساكنة بالجهة. تُعرض بقايا حيوانية شكلت أساس التغذية، يرافقها مجموعة من الأدوات الحجرية المستخدمة في السلخ وقطع العظام واستهلاك اللحوم. تشهد هذه الأدوات، المصنوعة والمستخدمة منذ آلاف السنين، على أنماط عيش أوائل سكان الشرق، خاصة إنسان تافوغالت وإنسان زكزل.
يتتبع المعرض أيضاً علامات أخرى من تاريخ الإنسانية، كشفتها التبادلات القديمة بين مختلف مناطق المملكة، وكذا مع أوروبا وإفريقيا. ساهمت هذه التنقلات في نشر معارف حاسمة، منها إتقان النار عبر تقنيات الاحتكاك والقرع. مؤشرات تتيح قراءة المراحل الكبرى لتطور الإنسان في هذا الجزء من المغرب من خلال القطع المعروضة.
من مدرسة شاركو (Charcot) إلى المتحف
حل المتحف في مبنى رمزي من المشهد الحضري القديم. تتميز مدرسة شاركو (Charcot) السابقة، المبنى المسجل في الذاكرة الجماعية للمدينة، بأقواسها ذات التأثيرات المورسكية وماضٍ مرتبط بتاريخ التعليم. يندرج تحويلها إلى فضاء ثقافي ضمن منطق استمرارية تراثية.
يؤكد المؤرخ بدر مكري، الحاضر خلال الزيارات الأولى: “يشكل توفر مبنى ذي قيمة ثقافية وتاريخية، يقع في قلب المركز القديم، رصيداً لا يمكن إنكاره”. يلاحظ الباحث اهتماماً واضحاً من الجمهور الشاب بالقضايا التراثية، وهي ديناميكية يفسرها كإشارة على تعلق متزايد للأجيال الجديدة بتاريخها وتراثها الثقافي.



