جرادة.. الفلاحة التضامنية ترسم خارطة طريق الزيتون بالإقليم

اقتصاد الشرق
يشهد إقليم جرادة تحولا فلاحيا ملموسا في ظل تداعيات التغيرات المناخية وشح التساقطات المطرية. وبعد سنوات من الاعتماد على تربية الماشية والمحاصيل العلفية، بات قطاع زراعة الزيتون يفرض نفسه كبديل واعد ضمن استراتيجية التنويع الزراعي بالإقليم. برمجت المديرية الإقليمية لوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات 1700 هكتار لإنجاح الغراسات وجعل زراعة الزيتون رافعة إضافية للتحول الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
إنجازات ملموسة وطموحات مستقبلية
تم إنجاز 1100 هكتار على مستوى جماعات تيولي (300 هكتار)، وكنفودة (200 هكتار)، والعوينات (300 هكتار). كما تم استغلال مساحات إضافية ضمن الفلاحة التضامنية لسنة 2026، حيث ستضاف 700 هكتار خلال السنة الجارية بمجرد إتمام أشغال تهيئة التربة. يستفيد من هذا البرنامج 720 فلاحا صغيرا، في خطوة تهدف إلى إدماجهم في النسيج الاقتصادي المحلي.
تتميز نسبة الزيت المستخرجة بالإقليم بمستويات استثنائية قد تصل إلى 23 لترا للقنطار، وفق ما أكده العربي براقي، رئيس تعاونية “جيل أخضر” الحاملة للبرنامج على مستوى جماعة كنفودة.
شراكة ميدانية ودعم تقني
أرست المديرية الإقليمية للفلاحة والتعاونيات المحلية آلية تعاون وثيق تقوم على مقاربة تشاركية وتطور تكنولوجي. تجسد ذلك في إحداث تعاونية خدمات متخصصة “جيل أخضر”، تم تجهيزها بعتاد فلاحي حديث يشمل صهاريج متنقلة، وجرارات عالية القدرة، وآلات زرع دقيقة للبذر المباشر. هذا الانخراط اللوجستي يضمن مواكبة تقنية ميدانية وعصرنة الممارسات الزراعية اليومية.
أما مسألة احتكار الموارد، فتم حلها عبر توزيع عادل للدعم. يحدد دعم الوزارة الوصية وشركائها المساحة المجهزة في خمسة هكتارات لكل مستفيد، ضمن استراتيجية تستهدف قاعدة أوسع من المنتجين مع ضمان مواكبة فردية. المساعدة التقنية، المقرونة بمراقبات المطابقة من قبل المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، أثمرت نتائج واضحة. فمعدل بقاء الغراسات مرتفع ويتراوح بين 80% و90%.
يقول عبد الرحمن الأنفلوس، المدير الإقليمي لقطاع الفلاحة: “طموحنا إشراك أكبر عدد من الفلاحين الصغار في هذه الديناميكية الإنتاجية والتعاونية. ننفذ مشروع فلاحة تضامنية يرتكز على تحريك سلسلة الزيتون وإدماج معزز للفلاحين الصغار في النسيج الاقتصادي المحلي”.
انخراط واسع وآفاق التوسع
يعكس انخراط فلاحي إقليم جرادة في هذا البرنامج مدى ملاءمة زراعة الزيتون كمحرك للاستقرار الاقتصادي الاجتماعي وعامل ازدهار مستدام. من المنتظر أن تشهد هذه الديناميكية تسارعا ملحوظا خلال السنة الجارية، حيث يتضمن المشروع مرحلة توسع تشمل 600 هكتار إضافية، خطوة حاسمة لمواكبة الأهداف الاستراتيجية المحددة في أفق 2026.
لا يأتي صعود زراعة الزيتون بجرادة من فراغ، بل هو نتاج استراتيجية تكيف مع الخصوصيات المحلية: التربة، المناخ، والمعرفة الموروثة للفلاحين الصغار. المقاربة الجديدة للتنويع الزراعي ترتكز على منهج تجريبي واقعي. فالمحاولات الأولى، لا سيما في زراعة اللوز، لم تكن موفقة أمام القيود البيئية. “أدركنا أن الأمر كان طريقا مسدودا، فتوجهنا نحو الزيتون. النتائج تؤكد هذا الاختيار: التفاعل بين التربة والمناخ المحلي يوفر ظروف نمو مثالية”، يختم الأنفلوس.
تحولات موازية
من إقليم ذي توجه رعوي، ينفتح إقليم جرادة على زراعات جديدة، خاصة الشجيرات المثمرة. تحويل نحو 2000 هكتار من الأراضي المخصصة للحبوب (بكنفودة، العوينات، تيولي، كفاية، ولبخاتة) إلى غراسات اللوز، الصبار، الخروب، التفاح، المشمش، العناب، الكمثرى والنكتارين، أظهر أهمية المشاريع الزراعية الجديدة. صحيح أن المردودية مرتبطة بالمياه الجوفية وجودة التربة، لكنها دفعت الوزارة الوصية والفلاحين لمضاعفة المساحات المخصصة لزراعات أخرى، خاصة الخروب. يندرج برنامج تطوير سلسلة الخروب للفترة 2021-2030 ضمن الاستراتيجية الوطنية “غابات المغرب 2030″، ويستهدف إعادة تأهيل الأنظمة البيئية الغابوية، حفظ المياه والتربة، تطوير أنشطة مدرة للدخل، وخلق ثروة لصالح الساكنة المحلية.



