سليمة فراجي : قراءة دستورية لمشروع قانون المحاماة الجديد

Economy of the East
أثار مشروع قانون المحاماة الجديد في المغرب جدلاً قانونياً واسعاً حول مدى توافقه مع الضمانات الدستورية، خاصة فيما يتعلق بحق الدفاع والمحاكمة العادلة. وفي هذا السياق، طرحت المحامية سليمة فراجي، عضو هيئة المحامين بوجدة، تساؤلات جوهرية حول مشروعية التعديل ومدى احترامه للمبادئ الدستورية المقررة.
الأستاذة فراجي، التي تُعتبر أول امرأة محامية مسجلة بجهة الشرق منذ سنة 1982 وأول امرأة عضو في مجلس الهيئة، قدمت قراءة دستورية معمقة للمشروع استناداً إلى خبرتها التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في المجالين القانوني والحقوقي بالمنطقة الشرقية.
سلطة المشرع ومبدأ عدم التراجع
أوضحت الأستاذة فراجي أن المشرع يملك، بموجب الفصل 71 من الدستور، سلطة تنظيم المهن القانونية والقضائية بما فيها مهنة المحاماة. وأشارت إلى أن التطورات التي عرفها القضاء، وتوسع اختصاصات النيابة العامة التي أصبحت مستقلة عن السلطة التنفيذية، إلى جانب التحولات الرقمية، قد تبرر مراجعة الإطار القانوني المنظم للمهنة.
غير أن المحامية شددت على أن سلطة التشريع ليست مطلقة، فهي مقيدة بضوابط دستورية تحد من التدخل التشريعي في حقوق أساسية. وأكدت على مبدأ عدم التراجع عن الضمانات المقررة، وهو المبدأ الذي كرسه القضاء الدستوري المغربي في قراره عدد 23/17 الصادر في 06 يوليوز 2017، والذي نص على أن المشرع يمكنه مراجعة تنظيم ممارسة الحقوق مع احترام الأحكام الدستورية وعدم التراجع عن الضمانات المقررة.
توازن الأسلحة واستقلال الدفاع
ركزت الأستاذة فراجي على مفهوم توازن الأسلحة بين النيابة العامة والدفاع، معتبرة إياه عنصراً لا غنى عنه لضمان محاكمة عادلة. وأشارت إلى أن الحق في الدفاع، كما يستخلص من الفصل 120 من الدستور، لا يكتفي بالوجود الشكلي للمحامي، بل يشترط استقلاله الفعلي عن أي تأثير خارجي.
وأوضحت أن أي نص جديد يقلص من ضمانات استقلالية المحامي، أو يجعله خاضعاً لآليات تقيد دوره، يصبح مثيراً للشك الدستوري لأنه يمس بمضمون الحق في الدفاع لا شكليته. واستندت في تحليلها إلى الاجتهاد الدستوري الفرنسي، ومنه قرار المجلس الدستوري الفرنسي 217-86 الصادر في 18 شتنبر 1986، الذي أكد أن القانون يمكن أن ينشئ نصوصاً جديدة شريطة ألا تؤدي إلى المساس بممارسة حق أو حرية ذات قيمة دستورية.
معايير التقييم الدستوري
قدمت المحامية أربعة معايير لتقييم مشروع قانون المحاماة الجديد، وهي: مدى احترام النص لضمانات استقلال الدفاع كما كانت في القانون السابق، وما إذا كان يؤدي إلى تراجع في فعالية هذه الضمانات، ووجود مساس عملي بتوازن الأسلحة بين النيابة العامة والدفاع، بالإضافة إلى توافق مقتضيات النص مع مبادئ الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الفصل 12 من الدستور.
وخلصت الأستاذة فراجي إلى أن تنظيم مهنة المحاماة، رغم كونه من صلاحيات السلطة التشريعية، لا يمكن فصله عن الضمانات الدستورية المرتبطة بالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة. وأكدت أن أي مشروع قانون يؤثر في استقلال الدفاع أو في توازن الأسلحة، حتى وإن كان يملك مشروعية إجرائية، فإنه يطرح إشكالية دستورية تستوجب الفحص النقدي مع الحفاظ على مبادئ العدالة والحكامة والديمقراطية التشاركية.



